أبو الليث السمرقندي

33

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

المشركين ، فأصابهما من المطر الذي ذكر اللّه فيه ظلمات ورعد وبرق ، كلما أصابهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما فإذا لمع البرق مشيا في ضوئه ، وإذا لم يلمع لم يبصرا شيئا ، فقاما مكانهما فجعلا يقولان : يا ليتنا لو أصبحنا فنأتي محمدا صلى اللّه عليه وسلم فنضع أيدينا في يده ، فأصبحا فأتياه فأسلما وحسن إسلامهما ، فضرب اللّه في شأن هذين المنافقين الخارجين مثلا للمنافقين الّذين كانوا بالمدينة ، ثم قال تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ، قال بعضهم بسمعهم الظاهر الذي في الرأس وأبصارهم التي في الأعين ، كما ذهب بسمع قلوبهم ، وأبصار قلوبهم عقوبة لهم . قيل : معناه ، ولو شاء اللّه لجعلهم صما وعميا في الحقيقة ، كما جعلهم صما وعميا في الحكم . قد قيل : معناه ، ولو شاء اللّه لجعلهم صما وعميا في الآخرة ، كما جعلهم في الدنيا . وروي في إحدى الروايتين ، عن ابن عباس أنه قال : هذا من المكتوم الذي لا يفسر . ثم قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من العقوبة وغيرها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 21 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ، أي أطيعوا ربكم ويقال : وحدوا ربكم . وهذه الآية عامة ، وقد تكون كلمة يا أَيُّهَا النَّاسُ خاصة لأهل مكة وقد تكون عامة لجميع الخلق ، فهاهنا يا أَيُّهَا النَّاسُ لجميع الخلق . يقول للكفار : وحدوا ربكم ، ويقول للعصاة : أطيعوا ربكم ، ويقول للمنافقين : أخلصوا بالتوحيد معرفة ربكم ، ويقول للمطيعين : اثبتوا على طاعة ربكم . واللفظ يحتمل هذه الوجوه كلها ، وهو من جوامع الكلم . واعلم أن النداء في القرآن على ست مراتب : نداء مدح ، ونداء ذم ، ونداء تنبيه ، ونداء إضافة ، ونداء نسبة ، ونداء تسمية . فأما نداء المدح فمثل قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ * يا أَيُّهَا الرُّسُلُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا * . ونداء الذم مثل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا . ونداء التنبيه مثل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ * يا أَيُّهَا النَّاسُ . ونداء الإضافة مثل قوله تعالى : يا عِبادِيَ * . ونداء النسبة مثل قوله : يا بَنِي آدَمَ * يا بَنِي إِسْرائِيلَ * ونداء التسمية مثل قوله تعالى : يا داوُدُ يا إِبْراهِيمُ * فهاهنا ذكر نداء التنبيه فقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ ، أخبر بالنداء أنه يريد أن يأمر أمرا أو ينهى عن شيء . ثم بيّن الأمر فقال : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ، يعني وحدوا وأطيعوا الَّذِي خَلَقَكُمْ ، معناه : أطيعوا ربكم الذي هو خالقكم ، فخلقكم ولم تكونوا شيئا وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ، يعني وخلق الّذين من قبلكم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ المعصية وتنجون من العقوبة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 22 ] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 )